الغزالي
54
الأربعين في اصول الدين
أن يعلم أنه إن أنكر لم يلتفت إليه ولم يترك المنكر ونظر إليه بعين الاستهزاء ، وهذا هو الغالب في منكرات ترتكبها الفقهاء ؛ ومن يزعم أنه من أهل الدين فههنا يجوز السكوت ، ولكن يستحب الزجر باللسان ، إظهارا لشعار الدين ، مهما لم يقدر على غير الزجر باللسان ، ويجب ان يفارق ذلك الموضع ، فليس يجوز مشاهدة المعصية بالاختيار ؛ فمن جلس في مجلس الشرب فهو فاسق وإن لم يشرب ، ومن جالس مغتابا أو لابس حرير أو آكل ربا أو حرام ، فهو فاسق فليقم من موضعه . والثاني : أن يعلم أنه يقدر على المنع من المنكر بأن يرى زجاجة فيها خمر فيرميها فتكسر ، أو يسلب آلة الملاهي من يده ويضربها على الأرض . ولكن يعلم أنه يضرب أو يصاب بمكروه ، فههنا يستحب الحسبة لقوله تعالى : وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ [ لقمان : 17 ] ولا يجب إلا أن يكون المكروه الذي يصيبه له درجات كثيرة يطول النظر فيها ، ذكرناها في كتاب الأمر بالمعروف من الإحياء . وعلى الجملة ، فلا يسقط الوجوب إلا بمكروه في بدنه بالضرب ، أو في ماله بالاستهلاك ، أو في جاهه بالاستخفاف به بوجه يقدح في مروءته . فأما الخوف من استيحاش المنكر عليه ، وخوف تعرضه له باللسان وعداوته له ، أو توهم سعيه له في المستقبل بما يسوؤه أو يحول بينه وبين زيادة خير يتوقعها ، فكلّ ذلك موهومات وأمور ضعيفة لا يسقط الوجوب بها . فصل عمدة الحسبة شيئان : أحدهما : الرفق واللطف والبداية بالوعظ على سبيل اللين لا على سبيل العنف ، والترفع والإذلال بدالّة الصلاح ، فإن ذلك يؤكد داعية المعصية ، ويحمل العاصي على المناكرة وعلى الإيذاء . ثم إذا أذاه ولم يكن حسن الخلق غضب لنفسه ، وترك الإنكار للّه تعالى ، واشتغل بشفاء غليله منه ، فيصير عاصيا ، بل ينبغي أن يكون كارها للحسبة ، يودّ لو ترك المعصية بقول غيره ، فإنه إذا أحب أن يكون هو المتعرض ، كان ذلك لما في نفسه من دالة الاحتساب وعزته . وقال عليه السلام : « لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به ، رفيق فيما ينهى عنه ، حليم فيما يأمر به ، حليم فيما ينهى عنه ، فقيه فيما يأمر به ، فقيه فيما ينهى عنه » . ووعظ المأمون - رحمة اللّه عليه - واعظ